فصل: مسألة سأل عن الحكمة في كون الجبال

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الهوامل والشوامل***


  مسألة متى تصل النفس بالبدن ومتى توجد فيه أفي حال ما يكون جنيناً أم قبلها أم بعدها

الجواب‏:‏ قال أبو علي مسكويه - رحمه الله‏:‏ إن اتصال النفس بالبدن ووجودها فيه ألفاظ متسع فيها‏.‏

والأولى أن يقال‏:‏ ظهور أثر النفس في البدن على قدر استعداد البدن وقبوله إياه‏.‏

وإنما تحرزنا من تلك الألفاظ لأنها توهم أن لها اتصالاً عرضياً أو جسمياً وكلا هذين غير مطلق على النفس‏.‏

والأشبه إذا عبرنا عن هذا المعنى أن تقول‏:‏ إن النفس جوهر بسيط إذا حضر مزاج مستعد لأن يقبل له أثراً كان ظهورك ذلك الأثر على حسب ذلك الاستعداد لنسلم بهذه العبارة من ظن من زعم أن النفس تتقلب وتفعل أفعالها على سبيل القصد والاختيار أعني أنها تفعل في حال وتمنع في أخرى فإن هذا يجلب كثيراً من الشكوك التي لا تليق بخصائص النفس وأفعالها‏.‏

وإذ قد تحققت هذه العبارة فنقول‏:‏ إن النطفة التي يكون منها الجنين إذا حصلت في الرحم الموافق كان أول ما يظهر فيه من أثر الطبيعة ما يظهر مثله في الأشياء المعدنية‏.‏

أعني أن الحرارة اللطيفة تنضجه وتمخضه وتعطيه - إذا امتزج بالماء الذي يوافقه من شهوة الأنثى - صورة مركبة كما يكون ذلك في اللبن إذا مزج بالإنفحة‏.‏

أعني أنه يثخن ويخثر ثم تلج عليه الحرارة حتى يصير ملوناً بالجمرة فيصير مضغة ثم يستعد بعد لقبول أثر آخر‏:‏ أعني أن المضغة تستمد الغذاء وتتصل بها عروق كعروق الشجر والنبات فيأخذ من رحم أمه بتلك العروق ما تأخذه عروق الشجر من تربته فيظهر فيه أثر النفس النامية أعني النباتية ثم يقوى هذا الأثر فيه ويستحكم على الأيام حتى يكمل وينتهي بعد ذلك إلى أن يستعد لقبول الغذاء بغير العروق أعني أنه ينتقل بحركته لتناول غذائه فيظهر فيه أثر الحيوان أولاً أولاً‏.‏

فإذا كمل استعداده لقبول هذا الأثر فارق موضعه وقبل أثر النفس الحيوانية ثم لا يزال في مرتبة البهائم من الحيوان إلى أن يصير فيه استعداد لقبول أثر النطق‏.‏

أعني التمييز والروية‏.‏

فحينئذ يظهر فيه أثر العقل ثم لا يزال يقوى هذا الأثر فيه على قدر استعداده وقبوله حتى يبلغ نهاية درجته وكماله من الإنسانية ويشارف الدرجة التي تعلو درجة الإنسان فيستعد لقبول أثر الملك‏.‏

وهذا الكلام ليس يقتضي أن يقال فيه‏:‏ متى تتصل وتنفصل بل من شأن القائل له أن يقال فيه‏:‏ متى يستعد ويقبل‏.‏

وأما النفس فهي معطية للذات كل ما قبل أثرها بحسب قبوله واستعداده وتهيئه‏.‏

وقد تبين أنها تعطي البدن أحوالاً مختلفة وصوراً متباينة قبل أن يكون جنيناً وبعد أن تتم الصورة الإنسانية ليس ينقطع أثر النفس من البدن ألبتة على ضروب أحواله إلى أن يدور ضرب أدواره وينتهي إلى غاية كماله‏.‏

ولا ينبغي أن يقال إنه يخلو منها في حال من أحواله وإنما يقوى الأثر ويضعف بحسب قبوله‏.‏

والسلام‏.‏

  مسألة سئل بعضهم إذا فارقت النفس الجسد هل تذكر من علومها شيئاً أم لا فأجاب بأنها تذكر المعقول كله ولا تذكر المحسوس

فزاد السائل بما يعرض للعليل من النسيان أي كيف تذكر النفس معقولها إذا فارقت البدن وهي لا تذكر شيئاً منه إذا اعتل البدن أو بعض أعضاء البدن فأجاب بما سيمر بك‏.‏

الجواب‏:‏ قال أبو علي مسكويه - رحمه الله‏:‏ إنما يظهر أثر النفس في البدن بحسب حاجة البدن والتذكر إنما هو إحضار صور المحسوسات من قوة الذكر إلى قوة الخيال‏.‏

وهاتان القوتان جميعاً إنما تحصلان صور المحسوسات من الحواس أولاً في حواملها من الأجسام الطبيعية ثم تحصلانها بسيطاً في غير حامل جسمي بل في قوة النفس المسماة ذكراً‏.‏

وإنما احتيج إلى هذه القوة لأغراض البدن وحاجته إلى الشيء بعد الشيء‏.‏

فإذا استحال البدن وزالت الحاجة إلى الحواس سقطت الحاجة إلى الذكر أيضاً وصارت النفس مستغنية بذاتها وما فيها من صور العقل أعني التي تمسى أوائل لأن تلك هي ذات العقل غير محتاجة إلى مادة ولا إلى جسم توجد بوجوده أعني أن الأمور الموجودة في العقل هي العقل وهي التي نسميها الآن أوائل وليست في مادة ولا محتاجة إليها‏.‏

وجميع قوى النفس التي تتم بالبدن وبآلات جسمية فإنها تبطل ببطلان البدن أي تستغني عنها النفس بما هي نفس وجوهر بسيط‏.‏

وإنما احتاجت إليه لأجل حاجات البدن المشارك للنفس المستمد منها البقاء الملائم لها إذا كان نباتاً أو حيواناً أو إنساناً‏.‏

فأما النفس بما هي جوهر بسيط فغير محتاجة إلى شيء من هذه الآلات الجسمية‏.‏

وإنما عرضت لك هذه الحيرة لأنك سألت عن أمر بسيط مع توهمك إياه مركباً وحال المركب غير حال البسيط أعني أن الآلات البدنية كلها هي أيضاً مركبة نحو تمامات لها ليكمل بها أيضاً شيء مركب‏.‏

والحواس الخمس والقوى التي تناسبها من التخيل والوهم والفكر لا تتم إلا بآلات وأمزجة مناسبة تتم بها أفعال مركبة‏.‏

فإذا عادت الجواهر إلى بسائطها بطل الفعل المركب أيضاً ببطلان الآلات المركبة واستغني الجوهر البسيط القائم بذاته عن حاجات البدن وضروراته التي تم وجوده بها من حيث هو مركب لأجلها‏.‏

  مسألة سأل عن الحكمة في كون الجبال

الجواب‏:‏ قال أبو علي مسكويه - رحمه الله‏:‏ إن منافع الجبال ووضعها على بسيط من الأرض كثير جداً ولولاها ما وجد نبات ولا حيوان على بسيط الأرض وذلك أن سبب وجود النبات والحيوان وبقائهما بعد هو الماء العذب السائح على وجه الأرض‏.‏

وسبب الماء العذب السائح هو انعقاد البخار في الجو‏.‏

أعني السحاب وما يعرض له من الانحصار بالبرد حتى يعود منه إما مطر وإما ثلج وإما برد‏.‏

ولو أنك توهمت الجبال مرتفعة عن وجه الأرض وتخيلت الأرض كرة مستديرة لا نتوء ولا غور فيها لكان البخار المرتفع من هذه الكرة لا ينعقد في الجو ولا ينحصر ولا يعود منه ماء عذب‏.‏

بل كان غاية ذلك البخار أن يتحلل ويستحيل هواء قبل أن يتم منه ما هو سبب عمارة وجه الأرض وذلك لأجل أن البخار المرتفع من الأرض يحصل بين أعوار الأرض وبين الجبال التي تمنعه السيلان ومطاوعة حركة الفلك وأسباب الرجة التي هي حركة الهواء‏.‏

أعني أن قلل الجبال الشاهقة تحفظ الهواء المحتقن يين أغوارها من الحركة التي يوجبها الفلك بأسره والكواكب فيها وشعاعاتها المؤثرة الملطفة التي توجب لها السيلان‏.‏

فإذا حصل الهواء بين الجبال كذلك - كان البخار المرتفع فيه أيضاً محفوظاً من التبدد والحركة بتحرك الهواء ولحق هذا البخار من برد الجبال التي تحفظه في زمان الشتاء على أنفسها ما يجمده ويعقده ثم يعصره فيعود ماء مستحيلاً أو غيره مما يجري مجراه‏.‏

ولولا الجبال لكانت هذه المياه المدبرة بهذا التدبير مه ما ذكرناه لا تجري على وجه الأرض إلا ريثما يهدأ المطر ثم تنشفه الأرض فكان يعرض من ذلك أن يكون النبات والحيوان يعدمه في صميم الصيف وعند الحاجة الشديدة إليه في بقائهما حتى كان لا يوصل إليه إلا كما يوصل في البوادي البعيدة من الجبال أعني باحتفار الآبار التي يبلغ عمقها مائة ومائتين من الذرعان‏.‏

فأما الآن - مع وجود الجبال - فإن الأمطار والثلوج تبقى عليها فإذا نشفتها في الوقت أو بعد زمان نشأت من أسافلها العيون وسالتت منها الأنهار والأودية وساحت على وجه الأرض منصبة إلى البحار جارية من الشمال إلى الجنوب فإذا فنى ما استفادته من الأمطار في الصيف لحقتها نوبة الشتاء والأمطار فعادت الحال‏.‏

والدليل على أن العيون والأنهار والأودية كلها من الجبال أنك لا ترتقى في نهر ولا واد إلا أفضى بك إلى جبل‏.‏

فأما العيون فإنها لا توجد إلا بالقرب من الجبال البتة‏.‏

وكذلك ما يستنبط من القنى وما يجري مجراها‏.‏

فالجبال تجري من الأرض في إساحة الماء عليها من الأمطار مجرى إسفنجة أو صوفة تبل بالماء فتحمل منه شيئاً كثيراً ثم توضع على مكان يسيل منه الماء قليلاً قليلاً حتى إذا جفت أعيد بلها وسقيها من الماء لتدوم الرطوبة السائلة منها على وجه الأرض ويصير هذا التدبير سبباً لعمارة العالم ووجود النبات والحيوان فيه‏.‏

وللجبال منافع كثيرة إلا أن ما ذكرناه من أعظم منافعها فليقتصر عليه‏.‏

ولثابت مقالة في منافع الجبال من أحب أن يستقصي هذا الباب قرأه من تلك المقال إن شاء

  مسألة لم صارت الأنفس ثلاثاً في العدد وهل يجوز أن تكون اثنتين أو هل يستحيل أن تكون أربع

الجواب‏:‏ قال أبو علي مسكويه - رحمه الله‏:‏ النفس في الحقيقة واحدة وإنما يظهر أثرها - كما قلنا فيها فيما تقدم - بحسب قبول القابل‏.‏

وإنما قيل إنها ثلاث لأن من شأن الشيء الذي يبدأ أثره ضعيفاً ثم يقوى غاية القوة أن ينقسم ثلاثة أقسام أعني الابتداء والتوسط والنهاية‏.‏

ولما كان مبدأ أثر النفس في النبات أعني أنه يظهر فيه معنى يقبل الغذاء الموافق وينفض الفضلة وما ليس بموافق ويحفظ صورته بالنوع - سمي هذا الطرف الأول نفساً نباتية‏.‏

ثم لما قوى هذا الأمر حتى صار ينتقل لتناول غذائه وصارت له حواس وإرادة سميت هذه المرتبة‏:‏ المتوسطة والحيوانية‏.‏

ولما قوى هذا الأثر حتى صار - مع هذه الأحوال - يرتئي ويفكر ويستعمل التمييز بتقديم المقدمات واستنتاج النتائج ثم يعمل أعماله بحسبها سمي ناطقاً وعاقلاً وما أشبه ذلك‏.‏

ولكل واحد من هذه المراتب لو قسمت - مراتب كثيرة‏.‏

إلا أن الأولى في كل ما جرى هذا المجرى أن يقسم إلى‏:‏ المبدأ والوسط والنهاية كما فعل ذلك بقوى الطبيعة فإن الحرارة والبرودة وما جرى مجراها إنما تقسم إلى ثلاث مراتب أعني الابتداء والوسط والنهاية‏.‏

وإن كانت كل واحد من هذه المراتب تنقسم أيضاً‏.‏

وإذا ما تأملت جميع القوى وجدت الأمر فيها جارياً هذا المجرى‏.‏

فأما قولك‏:‏ هل يجوز أن تكون اثنتين فهي إنما تكون واحدة أولاً ثم اثنتين ثم تستكمل فتصير ثلاثاً وقد شرح هذا‏.‏

  مسألة لم صار البحر في جانب من الأرض

الجواب‏:‏ قال أبو علي مسكويه - رحمه‏:‏ لولا حكمة عظيمة اقتضت أن ينحسر الماء عن وجه الأرض لكان الأمر الطبيعي يوجب أن يكون لابساً وجه الأرض أجمعه حتى تصير الأرض في وسطه شبيهة بمح البيض والماء حولها شبيهاً بالبياض والهواء محيط بهما على ما هو موجود الآن والنار محيطة بالجميع ليكون الأثقل الأول بالمركز وهو الأرض في موضعه الخاص من المركز ويليه الماء الذي هو أخف من الأرض وأثقل من الهواء ويليه الهواء ثم النار على سوم الطباع‏.‏

ولكن لو تركت هذه الأشياء وسومها الطبيعي لم تكن على وجه الأرض عمارة من نبات وحيوان وبشر وبهيمة وطائر وبطلت هذه الحكمة العجيبة والنظام الحسن فلأجل ذلك خولف بين مركز الشمس ومركز الفلك الأعلى فتبع هذا أن صارت الشمس تدور على مركزها لعالم خاص بها غير الأرض‏.‏

أعني أن مركزها خارج من الأرض‏.‏

ولما دارت على مركزها قربت من ناحية من الأرض وبعدت من أخرى وصارت الناحية التي تقرب منها تحمي بها‏.‏

ومن شأن الماء إذا حمى أن ينجذب إلى الجهة التي يحمي فيها بالبخار‏.‏

وإذا انجذب إلى هناك انحسر عن وجه الأرض الذي يقابله من الشق الذي تبعد عنه الشمس‏.‏

وإذا انحسر عن وجه الأرض حدث من الجميع كرة واحدة‏.‏

أعني من الماء والأرض إلا أن شق الكرة الجنوبي الذي تقرب الشمس فيه من الأرض مكان الماء وهو البحر وشق الكرة الشمالي الذي تبعد عنه الشمس من الأرض يابس تظهر فيه الأرض‏.‏

ثم وجب بعد ذلك أن تنصب عليها الجبال لتستقيم الحكمة وينتظم أمر العالم على ما هو به عز مبدىء الجميع ومنشئه وناظمه ومقدره وتبارك اسمه وجل جلاله وتقدست اسماؤه وتعالى هما يقول الظالمون علواً كبيراً‏.‏

  مسألة لم صارت مياه البحر ملحاً

الجواب‏:‏ قال أبو علي مسكويه - رحمه الله‏:‏ إنما ذلك لأجل قرب الشمس من سطح الماء وتمكنها من طبخه ومن طبيعة الماء إذا ألحت عليه الحرارة بالطبخ أن يتحلل لطيفه إلى البخار ويقبل الباقي أثراً من الملوحة فإن زادت الحرارة ودامت صار ذلك الماء شديد الملوحة ثم انتهى في آخر الأمر إلى المرارة‏.‏

وأصحاب الصنعة يدبرون ماء لهم بالنار ويدبرون حتى يكثر تردده على النار فيصير - بذلك - الماء حاراً يضرب إلى المرارة‏.‏

  مسألة إذا كان المرئي لا يدرك إلا بآلة

وتلك هي الحس فما تقول فيما يراه النائم ألم يدركه من غير حس ولا انبثاث شعاع ولا أعمال آلة‏.‏

الجواب‏:‏ قال أبو علي مسكويه - رحمه الله‏:‏ قد كنا بينا في مسألة الرويا وما أحببنا به عنها ما فيه غني عن تكلف الجواب عن هذه المسألة‏.‏

ولكنا نذكر جملة وهو أن الحواس كلها ترتقي إلى قوة يقال لها الحس المشترك‏.‏

وهذا الحس يقبل الآثار من الحواس ويحفظها عليها في قوة التي تعرف بالوهم‏.‏

فإذا غاب المحسوس أحضرت هذه القوة صورة ذلك المحسوس من الوهم‏:‏ سواء كان مرئياً أو مسموعاً أو غيرهما من الصور المحسوسات‏.‏

وليس يمكن أن يحصل في هذه القوة شيء من الصور إلا ما قبلته وأخذته من الحواس‏.‏

وقد مر هذا الكلام في الموضع الذي أذكرنا به مستقصى مع الكلام في حد المرئي وما يتبعه‏.‏

  مسألة لا نخلو في طلبنا لعلم شيء من أن نكون قد علمنا ذلك المطلوب أو لم نعلمه فإن كنا قد علمناه فلا وجه لطلبنا والدأب من ورائه

وإن كنا لا نعلمه فمحال أن نطلب ما لا نعمله‏.‏

وعاد أمرنا فيه مثل الذي أبق له عبد لا يعرفه وهو يطلبه‏.‏

الجواب‏:‏ قال أبو علي مسكويه - رحمه الله‏:‏ لو كان طلبنا للشيء إنما هو من وجه واحد وذلك الوجه المجهول لكان الأمر على ما ذكرت لكنا قد تقدمنا قبل فشرحنا أن كل مطلوب يمكن أن يبحث من أمره عن أربعة مطالب‏:‏ أحدها إنيته وهذا البحث بهل ثم بما ثم بأي ثم بلم‏.‏

وهذه جهات لكل مطلوب‏.‏

فإذا عرفت جهة جهلت أخرى‏.‏

وليس يغني العلم بأحدها عن الأخرى‏.‏

مثال ذلك أنك إن بحثت عن جرم الفلك التاسع‏:‏ هل له وجود فتبين هذا المطلب بقيت الجهة الأخرى وهي جهة ما هو لأنك قد عرفت جهة هل وجهلت جهة ما‏.‏

فإذا عرفت هذه الجهة بقيت الجهة الثالثة وهي جهة أي‏.‏

وقد شرحنا هذه الجهات فيما مضى فإذا حصلت هذه بقيت جهة العلة القصوى أعني لم‏.‏

وهي البحث عن الشيء الذي من أجله وجد على ما وجد عليه من المائية والكيفية‏.‏

فإذا عرفت هذه الجهة لم يبق من أمره شيء مجهول إلا جزئيات الأمور التي لا نهاية لها‏.‏

وليس يبحث عن تلك لقلة الفائدة فيها‏.‏

أعني أن تطلب مساحتها ومبلغ عدد الأجزاء التي تمسحها ونسبة كل جزء إلى غيره ووضعه وهذه المطالب هي بحث مطلب كيف وغيره من المقولات في أنواعها وأشخاصها‏.‏

وإذا عرفت الجنس العالي لم تطلب أجزاءه لحصول الجهة العليا‏.‏

فقد صح أن المطلوب إنما هو الجهة المجهولة لا الجهة المعلومة وأن الشيء الواحد قد يعلم من جهة ويجهل من جهة أخرى وزال موضع الشك إن شاء الله‏.‏

  مسألة لم لا يجيء الثلج في الصيف

كما قد يجيء المطر فيه الجواب‏:‏ قال أبو علي مسكويه - رحمه الله‏:‏ الفرق بين حالي الثلج والمطر أن البخار إذا ارتفع من الأرض حمل معه جزءاً أرضياً‏.‏

وقد يكون مقدار هذا الجزء الأرضي ما يخف مع البخار ويتحرك معه ويصعد بصعوده كالهباءة التي تراها أبداً في الهواء‏.‏

فإن ذلك القدر من أجزاء الأرض لخفته يتحرك بحركة الهواء ويصعد مع بخار الماء‏.‏

فإذا اتفق وقت صعود هذا البخار أن يصيبه في الهواء برد شديد حتى يجمد - جمد معه الجزء الأرضي وثقل بما يكتسبه من انضمام البعض إلى البعض بالبرد فارجحن إلى أسفل وهو الثلج‏.‏

وإن اتفق أن يكون البرد الذي يلحقه يسيراً لا يبلغ أن يجمده عصر البخار عصراً فخرج منه الماء الذي يقطر وهو المطر‏.‏

والدليل على أن في الثلج جزءاً أرضياً القبض الذي فيه الثلج وسلامة المطر منه‏.‏

وأيضاً فإن الثلج جزم البخار بعينه‏.‏

أعني الحالة التي ليست ماء ولا هواء‏.‏

فإذا جمدت تلك الحالة ردت طبيعة البخار‏.‏

فأما المطر فلا طبيعة للبخار فيه وهو ماء بعينه‏.‏

وكذلك يصيب آكل الثلج من النفخ والأسباب العارضة من البخار ما لا يصيب شارب ماء المطر‏.‏

وإذ قد وضح الفرق بين المطر والثلج فإنا نقول في جواب مسألتك‏:‏ إن الشتاء يشتد فيه برد الهواء حتى يجمد البخار الصاعد إليه من الأرض فيرد ثلجاً‏.‏

فأما الصيف فليس يشتد فيه برد الهواء ولكن بما عرض فيه من البرد بقدر ما ينعقد البخار ثم ينعصر فيجيء منه مطر‏.‏

الجواب‏:‏ قال أبو علي مسكويه - رحمه الله‏:‏ أما الكتاب والسنة فمملوءان من ذكر الملائكة وأنها خلق شريف لله - تعالى - ولها مراتب متفاضلة‏.‏

وأما العقل فإنه يوجب وجودها من طريق أن العقل إذا قسم شيئاً وجد لا محالة إلا أن يمنع منه محال‏.‏

وذلك أن قسمة العقل هي الوجود الأول والحق المحض الذي لا يعترضه مانع ولا تعوق عنه مادة‏.‏

فإذا قسم فقد وجد الوجود العقلي وإذا حصل هذا الوجود تبعه الوجود النفساني والوجود الطبيعي لأن هذين متشبهان بالفعل مقتديان به تابعان له غير مقصرين ولا وانيين‏.‏

ولكن الطبيعة تحتاج في هذا الاقتداء إلى حركة لقصورها عن الإيجاد التام ولذلك قيل في حد الطبيعة إنها مبدأ حركة‏.‏

ولأن العقل إذا قسم الجوهر إلى الحي - قسم الحي منه إلى الناطق وغير الناطق وقسم الناطق منه إلى المائت وغير المائت فيحصل من القسمة أربعة هي‏:‏ حي ناطق مائت‏.‏

وحي غير ناطق غير مائت‏.‏

وحي ناطق غير مائت‏.‏

والقسم الثالث هم المسمون ملائكة‏.‏

وهي مشتركة في أنها غير مائتة ومتفاضلة في النطق‏.‏

وبهذا التفاضل صار بعضها أقرب إلى الله - تعالى - من بعض وبه أيضاً صرنا - نحن معاشر البشر - متفاضلين في التقرب إلى الله - تعالى - والبعد منه ولأجله قيل‏:‏ فلان شبيه بملك وفلان شبيه بشيطان وبسببه قيل‏:‏ فلان عدو الله وبسببه قيل‏:‏ فلان ولي الله وفي السب يقال‏:‏ أبعد الله فلاناً ولعنه‏.‏

وقرب الله فلاناً وأدناه‏.‏

وقد يمكن أن يثبت وجود الملائكة من طريق آثارها وأفعالها الظاهرة في هذا العالم‏.‏

ولكني لما احتجت في ذلك إلى مقدمات كثيرة وبسط للكلام أخرج به عن الشرط الذي شرطته في أول هذه المسائل اقتصرت على ما ذكرته‏.‏

وهو كاف إن شاء الله‏.‏

  مسألة وسألت - أيدك الله - عن آلام الأطفال ومن لا عقل له من الحيوان

وعن وجه الحكمة فيه الجواب‏:‏ قال أبو علي مسكويه - رحمه الله‏:‏ أما هذه المسألة فإنها تتوجه إلى من أثبت جميع الأفعال التي ليست للناس منسوبة إلى الله - تعالى - ولم يعترف بأفعال الطبيعة ولا أفعال الأشياء التي هي وسائط بيننا وبين الله - تعالى - فإن المتكلمين كالمجمعين على أن الحرارة و الإحراق وسائر أفعال الطبائع وما ننسبه نحن إلى الوسائط التي فوض الله إليها تدبير عالمنا من الأفلاك والكواكب كلها أفعال الله - تعالى - بلا واسطة يتولاها بذاته‏.‏

وفي مناقضة هؤلاء القوم طول فإن أحببت أن أفرد له مقالة أو كتاباً فعلت‏.‏

فأما من زعم أن النار إذا جاوزت النفط ألهبته وإذا جاوزت الماء أسخنته وكذلك كل عنصر وركن وكل شعاع وأثر ممتد من العلو إلى أسفل فإنه يؤثر في جميع ما يقابله آثاراً مختلفة‏:‏ إما لاختلاف الفواعل وإما لاختلاف القوابل - فإن هذه المسألة غير لازمة له‏.‏

وإنما ينبغي أن يسأل من وجه آخر لم تسأل عنه فلذلك لم أتكلف جوابه‏.‏

وقد ظهر من مقدار ما أومأت إليه جواب مسألتك إن شاء الله‏.‏

  مسألة لم كان صوت الرعد إلى آذاننا أبطأ وأبعد

من رؤية البرق إلى أبصارنا ولما كان الهواء سريع القبول للضوء بل يستضىء في غير زمان وذاك أن الشمس حين تطلع من المشرق يضيء منها الهواء في المغرب بلا زمان وكذلك الحال في كل مضىء كالنار وما أشبهها إذا قابل الهواء قبل منه الإضاءة بلا زمان - وكان الهواء متصلاً بأبصارنا لا واسطة بيننا وبينه - وجب أن يكون إدراكنا أيضاً بلا زمان ولذلك صرنا أيضاً ساعة نفتح أبصارنا ندرك زحل وسائر الكواكب الثابتة المضيئة إذا لم يعترض في الهواء عارض يستر أو يحجب‏.‏

فأما الرعد فلما كان أثره في الهواء بطريق الحركة والتموج لا بطريق الاستحالة - وجب أن يكون وصوله إلى أسماعنا بحسب حركته في السرعة والابطاء وذاك أن الصوت الذي هو اقتراع في الهواء يموج ما يليه من الهواء كما يموج الحجر الجزء الذي يليه من الماء إذا صك به ثم يتبع ذلك أن يموج أيضاً بعض الماء بعضاً وبعض الهواء بعضاً على طريق المدافعة بين الأجزاء إذا كانت متصلة‏.‏

فكما أن جانب الغدير إذا تموج حرك ما يليه في زمان ثم ما يلي ما يليه إلى أن ينتهي إلى الجانب الأقصى منه حتى تصير بينهما مدة وزمان على قدر اتساع سطح الماء فكذلك حال الهواء إذا اقترع فيه الجسم الصلب حرك ما يليه من الهواء وتموج به ثم حرك هذا الجزء ما يليه في زمان بعد زمان حتى ينتهي إلى الجزء الذي يلي آذاننا فنحس به ولذلك صار صوت وقع وكذلك حالنا إذا رأينا القصار من بعيد على طرف واد فإنا نرى حركة يده وإلاحته بالثوب حين رفعه وضربه الحجر قبل أن نسمع صوت ذلك الوقع بزمان‏.‏

فهذه بعينها حال البرق والرعد لأن السحاب يصطك بعضه ببعض فينقدح من ذلك الاصطكاك ما ينقدح من كل جسمين إذا اصطكا بقوة شديدة ويخرج أيضاً من بينهما صوت‏.‏

وهما جميعاً - أعني البرق والرعد - يحدثان معاً في حال واحدة إذ كان سببهما جميعاً الصك والقرع أعني حركة الجسم الصلب وقرع بعضه ببعض كحال المقدحة والحجر إلا أن البرق يضيء منه الهواء بالاستحالة التي تكون بلا زمان فنحسه في الوقت‏.‏

فأما الرعد فيتموج منه الهواء الذي يلي السحاب المصطك ثم يتموج أيضاً ما يليه ويسري في الجزء بعد الجزء إلى أن ينتهي إلى الهواء الذي يلي أسماعنا في زمان فنحس به حينئذ‏.‏

  مسألة إذا كان الإنسان على مذهب من المذاهب

ثم ينتقل عنه لخطأ يتبينه فما تنكر أن ينتقل عن المذهب الثاني مثل انتقاله عن الأول ويستمر ذلك به جميع المذاهب حتى لا يصح له مذهب ولا يضح له حق‏.‏

الجواب‏:‏ قال أبو علي مسكويه - رحمه الله‏:‏ لو كانت الإقناعات ومراتبها متساوية في جميع الآراء لما أنكرت ما ذكرته ولكني وجدت مراتب الأدلة والإقناعات فيها متفاوتة‏:‏ فمنها ما يسمى يقيناً ومنها ما يسمى دليلاً وقياساً إقناعياً بحسب مقدمات ذلك القياس ومنها ما يسمى ظناً وتخيلاً وما أشبه ذلك - فأنكرت أن تستوي الأحوال في الآراء مع تفاوت القياسات الموضوعة فيها‏.‏

فمن ذلك أن القياس إذا كان برهانياً وهو أن تكون مقدماته مأخوذة من أمور ضرورية وكان تركيبها صحيحاً - حدثت منه نتيجة بقينية لا يعترضها شك ولا يجوز أن ينتقل عنه ولا يسوغ فيه خطأ‏.‏

وكذلك‏.‏

التي امتدلى بها - فأثر الحرارة في المبدأ يكون ضعيفاً لكثرة المادة ومقاومتها فإذا قويت الحرارة بالتدريج وانتهت إلى غاية أمرها - كان زمان الشباب وكأنه صعود وحال نشأ حتى ينتهي ثم يقف وقفة كما يعرض في جميع الحركات الطبيعية ثم ينحط وهو زمان التكهل فلا يزال إلى نقصان حتى يفنى فناء طبيعياً كما وصفنا وهو زمان الشيخوخة والهرم وقد كان في زمان جالينوس من ظن ما ظننته حتى حكاه عنه وذكر أنه بلى بمرض طويل أضحك منه من كان حفظ عليه مذهبه‏.‏

وقد سلكت في الجواب عن جميعها المسلك الذي اخترته واقترحته من الاختصار والإيماء إلى النكت والإحالة - فيما يحتاج إلى شرح - إلى مظانه من الكتب‏.‏

نفعك الله بها وعلمك ما فيه خير الدارين بمنه ولطفه‏.‏

الحمد لله رب العالمين وصلواته على رسوله محمد وآله أجمعين‏.‏